الشيخ أحمد السايح .. نصف قرن في إضاءة ليالي رمضان في قرى أرمنت بالقرآن الأورام هاجمتني .. والقرآن أنقذني .. وأفضل رمضان قضيته بعد نجاتي من السرطان

أسماء صديق

"أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" هذا ما يبدوا جلياً في حياة الشيخ أحمد السايح قارىء أرمنت الأول لخمسين عاماً، قضاها في تزيين ليالي رمضان بقرائته للقرآن الكريم في كل قرى مركزه، ليكون امتداداً للحنجرة الذهبية وشيخ القراء عبد الباسط عبد الصمد وللشيخ أحمد الرزيقي أمين عام نقابة القراء. "المصري" التقت بقيثارة عذبة ندية، من مقرئي الزمن الجميل، الذي برغم عمره الذي تجاوز الثمانين، ومحاولة افتراسه من قبل المرض اللعين، إلا إنه وببركة كتاب الله الكريم نجا من الموت، ليستمر في حياته الطبيعية ويكأنه لا يزال في الخمسينيات من العمر، فعندما ذهبنا إليه وجدناه ذهب لقضاء واجب العزاء في أحد أقربائه، وعندما أتانا استقبلنا وأكرمنا بنفسه، لم يبد عليه تعب ولا نسيان، وبدا عليه خفة دم لو وزعت على فناني الكوميديا اليوم لكفتهم، إنه "أحمد السايح" الصوت الشجي الذي صاحبته الروحانية وبدا كأنه صوت سمائي متدفق كالأنهار حين يقرأ آيات القرآن، ليجعل مستمعيه في شدة من الخشوع دون أن ينطقون ببنت شفة، وليسبح بك صوته في رحبة القرآن لتتأمل مع كل آية خلق الله. "أحمد السايح محمد مصطفى" قارىء مركز أرمنت الأول على مدار 50 عاماً مضت، الذي ولد في الثامن عشر من إبريل لعام 1935، وذهب وهو في الخامسة من عمره لكتاب قريته الرزيقات بحري، ليحفظ القرآن على يد الشيخ الطاهر عثمان حميد –كمبيوتر القرآن الذي لا يوجد مثله- على حسب قول الشيخ السايح، وليكمل حفظه القرآن الكريم وهو في الحادية عشرة من عمره، وليوضح أنه في تلك الفترة لم يكن هناك مدارس إلزامية أو معاهد أزهرية في مركزه، ليبقى دون الحصول على شهادة تعليمية، ولكنه يرى أن ما حصل عليه من تعليم من قبل شيخه لا يضاهيه الحاصلين على الجامعات في تلك الأونة، مرجعاً السبب في قوة جيله وضعف الأجيال الحالية إلى عدم تلمذتهم بشكل صحيح في الهجاء، مشيراً إلى كون شيخه قبل أن يعلمهم القرآن الكريم حفظهم الهجاء أحرفاً وحركات من ضم وفتح وكسر وسكون، فكان يكتب آيات القرآن الكريم بالتشكيل، ولو أخطأ أحدهم في تشكيل حرف لقي عقابه من الشيخ، بينما اليوم لا يوجد في مدارسنا هجاء فلهذا يخرج التلميذ لا يعرف القراءة والكتابة حتى بعد حصوله على شهادة الدبلوم مثلاً على حد وصف الشيخ السايح. وأردف الشيخ السايح أنه فور حفظه القرآن الكريم، عمل ككاتب في مخبز مدينة أرمنت الوابورات، ثم وزان في مطحن قرية الرياينة المجاورة لقريته، ليلتحق بعد ذلك بوزارة الأوقاف في العام 1970، عندما كان يبلغ من العمر 35 عاماً، وليعين خادماً لمسجد الرشايدة ليقضي فيه 16 عاماً، حتى تقوم الأوقاف بإعادة بنائه، فيتم ندبه للعمل بمسجد أولاد الشيخ التابعة لقرية الرزيقات قبلي، ثم يعود ليختم حياته بمسجد أولاد سند التابعة لقريته الرزيقات بحري، لتتيح له تلك الفترة تعليم أجيال من أبناء قريته وتحفيظهم القرآن الكريم، حيث قام بفتح كتاب خاص به في مسجد الرشايدة حين تعيينه بعد أن وافقت على فتح حلقة له وزارة الأوقاف، بينما استمر الكتاب في منزله بعد هدم مسجد الرشايدة لتجديده، مشيراً إلى كونه سعيد بمن علمهم وأصبحوا اليوم أطباء ومهندسين ومحامين ومدرسين وأئمة في المساجد، ذاكراً أنه يداعب اليوم تلاميذه الذين وصلوا لسن المعاش بقوله لهم "هو أنتوا طلعتوا معاش يا عيال ياللي كنت بضربكم أنتوا وصغيرين" وقضى الشيخ 50 عاماً في لئلئة السهرات الرمضانية في تلاوته للقرآن الكريم على مسامع محبيه في كل قرى مركز أرمنت، منها 28 سنة في إحياء ليالي قرية المحاميد قبلي الرمضانية، مشيراً إلى كونه حين قام بالقراءة في أول مرة في المحاميد خلفاً للشيخ محمد سليم، أعجب به أهالي القرية، مما جعل العمدة جعفر عمدة القرية أن يقول له أنت تستمر في إمتاعنا بالقرآن في سهرات رمضان طوال حياتك، فأجابه سيعجزني العمر ولن أقدر على التلاوة، فذكره له العمدة بأنه حتى وإن جلس ليقرأ سورة يس فإن هذا يمتعهم، مؤكداً أنه استمر 28 عاماً في قرية المحاميد حتى وبعد وفاة العمدة جعفر، ولكنه لم يتوقف سوى من عامين حين هاجمه مرض الأورام، التي نجا منها بعد إجرائه العملية في 2015. ويرى صاحب الـ83 عاماً، أن القرآن الكريم أنقذه من الموت بسبب الأورام التي ألمت به في القاولون، حيث يقول "هاجمني الورم في 2014، فبعد إجراء الفحوصات تبين للأطباء ضرورة إجرائي لعملية استئصال للورم، فذهبت لعملها في معهد أورام أسوان، وكان الناس عندنا في البلد يقولون أنه سيعود ميتاً، نظراً لكوني رجل عجوز، ولكني لم أتوهم الشر، وفضلت أقرأ القرآن وأقول حديث رسول الله "من أحب لقاء الله أحب الله لقائه"" مضيفاً أنه إذا أخبر أحدنا بأن الرئيس السيسي سيكرمه سيفرح ويستعد، برغم كون السيسي عبد لا يضر ولا ينفع، فكيف لنا أن نخشى لقاء الله ؟، مفصحاً عن كون من قام بإجراء العملية له جراح مسيحي، كاشفاً عن لقطات كوميدية بينه وبين هذا الطبيب، حيث يقول "قبل إجراء العملية وقبل جلوسي على سرير العمليات، أوقفت الدكتور وقولتله استنى، ثم رددت الشهادتين وقولت أشهد الله إني مسلماً موحداً بالله، اللهم توفني على الإسلام، وعند إنتهاء العملية خرج الدكتور ليقول لأبنائي متقلقوش الراجل ده بركة" مشيراً إلى كونه بعد نجاح العملية التي أجرت في الـ27 من فبراير لعام 2015، ذهبت للدكتور للمتابعة، وكانت المتابعة قبل رمضان بيوم واحد، فأخبرته هل أستطيع الصيام أم يتعبني، فأخبرني لو أردت الصيام فصم، وهو ما حدث، وكان رمضان قبل الماضي هو الأفضل لي، مشيراً إلى كونه لا يزال يصلي صلاة العشاء والتراويح في الصف الأول وراء الإمام، حتى إذا أخطأ الإمام يقوم برده. ويروي الشيخ السايح عدداً من المواقف الكوميدية بينه وبين الشيخ محمود حسين الكلحي، الذي كان يحيي ثلاث ليال في مولد النبي بساحة قرية الرزيقات بحري، فيقول "كنا في سهرة والشيخ الكلحي كان يقرأ في خواتيم سورة الحجر وتعثر في إكمال السورة وكنت أمامه فأردت أن أساعده دون أن يدري الناس فقولت الله الله يا مولانا وأكملت له باقي آيات السورة وحتى قوله تعالى "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" ثم ختمت بصلي على النبي، فأكمل بعدها الشيخ وبدأ قراءة سورة النحل" مضيفاً أن هذا جعل له علاقة قوية مع الشيخ الكلحي، مشيراً إلى كونه كان يمازحه بقوله "اتوحشنا الهداهد –إشارة إلى آيات سورة النمل- فيقول لي "مأنت حافظ وتمام اقراها أنت، فأخبره أهداهدي زي هداهدك". ويذكر الشيخ أحمد السايح أنه لم يذهب إلى الإختبار في الإذاعة نظراً لكونه حافظ للقرآن برواية حفص عن عاصم فقط ولا يحفظ باقي القراءات، مضيفاً أنه يحز في نفسه وجود بعض مقرئي اليوم ممن لا يفقهون الأحكام والقراءت الصحيحة ويعتقدون أن القراءة طاقية علقت على الرأس، بخلاف كونهم اتخذوا القرآن وسيلة للرزق. ويعتقد أبرز قراء أرمنت خلال النصف قرن الماضي، أنه الدولة لا تهتم بحفظة القرآن ولا تسعى لتكريمهم، متمنياً أن تقوم الدولة بتكريمه أو منحه رحلة لأداء فريضة الحج.