نصحي إقلديوس أكاديمية التصوير في الأقصر : اسمي ماركة مسجلة والعرسان ملوك على المصور تتويجهم

علاء المنفي

اضحك الصورة تطلع حلوة، هكذا سمى وحيد حامد فيلمه عن حياة المصوراتي سيد غريب، الذي أبدع في أدائه أحمد ذكي، ويكأنه يحكي قصة حياة نصحي إقلديوس مصوراتي الأقصر مع الكاميرا، فنصحي رائد التصوير في المدينة التاريخية، وكاتب تاريخها عبر ما يزيد عن نصف قرن من الزمان، فلا يوجد بيت في الأقصر إلا وقد كانت ذكرياته حاضرة مع هذا الرجل الذي أكمل في بداية هذا العام عامه الثمانين. "المصري" التقت بالرجل الذي حفظ لأهالي الأقصر ذكرياتهم الجميلة، وصورهم الرائعة، ومشاهدهم التي لا تنسى في ليالي زفافهم، أو صور بطاقاتهم الأولى، او شهادات تخرجهم، ليحكي لنا أسراراً حفظها طوال تاريخه، وعن ذكريات سطرتها كاميرته، خلال ما يزيد عن سبع وخمسون عاماً، قضاها خلف كاميرته، وقضتها الأقصر من مدينة قديمة إلى مدينة سياحية، ثم الوصول الآن إلى عاصمة للسياحة العالمية. نصحي سعيد إقلديوس سعد، المولود في السادس من يناير من العام 1936، بشارع المحطة وسط الأقصر، أنهى تعليمه الثانوي ليبدأ رحلته مع الكاميرا، حيث كان عاشقا للتصوير منذ بدايته، مما دفعه لدخول قسم التصوير في مدرسته، وليشتري بعدها كاميرا من أحد الإنجليز الموجودين في الأقصر وقتها، وليذهب إلى العاصمة القاهرة، ليقضي فترة معايشة لم تزد عن الـ15 يوماً، في إحدى ستوديوهات العاصمة، ليعرف عن قرب كيفية احتراف المهنة، وليعود إلى بلدته ويفتتح أول ستديو للتصوير في الأقصر في العام 1959، بكاميراته الخاصة والتي كانت من نوع "زايس ايكون"، وليحاول بعدها تغيير فكرة المجتمع الصعيدي عن الكاميرا والتصوير، والتي كانت تعتبر التصوير شيء من المحرمات وخاصة للنساء، فلهذا كان عليه أن يتجه لتصوير طلبة المدارس وخريجيها، الأمر الذي قدمه لأن يكون المصور الخاص بالدفعات الخاصة بالقوات المسلحة في الأقصر، طيلة 35 عاماً، وكذلك تصوير مولد أبي الحجاج الأقصري، وكذلك الليالي الخاصة بالساحة الرضوانية، ودير مارجرجس بالرزيقات، حيث يقول "تعاملت مع الجميع مسلمين ومسيحيين، مشايخ ورهبان، لم ألتفت إلى الدين، فأنا مبدأي الإنسان، ولهذا أهتم أن يخرج بالشكل الذي يحبه". نصحي إقلديوس، لم يكن فقط مصوراً فقط، لكنه كان محدثاً فناناً باحثاً في علم التصوير، مطوراً لأدواته، قارئاً عن الجديد، لذا لم يكن غريباً عليه أن يكون صاحب أول معمل في الصعيد لتحميض وطبع الأفلام، وأول جهاز مستندات، وكان دائم التعديل على الكاميرات الخاصة به، فاستطاع عمل تعديل على الكاميرا "ماميا" أو الشهيرة بـ"الياشكا"، حيث استطاع جعلها تقوم بتصوير 72 صورة، بدلاً من أن تقوم بتصوير 36 صورة فقط، قبل تصنيع إصدار جديد لها، كما أنه صنع معمل ألوان لتحميض النيجاتف ألوان بخامات محلية، مما جعل شركة "أجفا_ AGVA" تقوم بتكريمه، كما كرمته بطريركية الأقباط الأرثوذكس، بعد تصويره لمؤتمر الكنائس الشرقية الأرثوذكسية، والذي انعقد بالقاهرة في فبراير من العام 1966، إضافة إلى كونه مصوراً خاصاً بالوفد الطبي المصري إلى الجمهورية السورية في العام 1975. ولأن نصحي كان يعلم أنه مصور في بلد ليست عادية، فكان على يقين أن صوره ستخلد تاريخ أمته ومجتمعه المحافظ، فعرف الأعراف وحافظ عليها، ولهذا كان دائم القول لابنه سامح الذي حمل لوائه في تصوير مجتمع الأقصر "معمل الألوان الخاص بك، لابد أن تعلم أنه ممنوع الدخول، فيمنع على أحد غيرك أن يدخله، حتى أصدقائك، فإن في معملك أسرار الناس الذين استأمنوك عليها، ويجب عليك أن تحافظ على تلك الأسرار، ويجب عليك أن تعلم إن اللي عينك تشوفه متقلوش"، بينما كان يشغل الموسيقى الهادئة في الإستديو حتى يهدىء القادم إلى التصوير، ويستطيع أن يقوم بتصويره صورة مميزة، حيث يقول عن ذلك "لو أنت رايح لدكتور وهتاخد حقنة هناك، هتخاف أكيد، زي كده زي لما تكون رايح تتصور، ملامح وجهك هتبقى مشدودة، عشان كده بحاول أخفف الشدة دي بالموسيقى الهادئة" وينصح الذي شغل منصب رئيس جمعية المصورين لجنوب الصعيد بقنا، المصورين بعدة نصائح، أهمها "صادق العريس والعروسة، فهما ملوك على المصور تتويجهما، فلابد من اختيار وقفتهم جيداً، وخليك عارف إن قبل مدوس شاتر التصوير إن دي رصاصة طالعة يا صابت يا خابت"، بينما يرى أن المصور في المرتبة الثانية بعد الرسام، وأنه لابد من الإهتمام بزاوية التصوير والإضاءة، موضحاً أنه لو عاد العمل مرة أخرى بالأبيض والأسود، لن يعمل في الأقصر سوى ستديو أو اثنين على الأكثر، مشيراً أنه رغم زياراته المتعددة لبلاد كثيرة، فإنه يرى أن مصر أجمل بلاد الدنيا في التصوير، حيث أنها تملك day light مميزة، وهو مالم يراه حتى في تركيا وسوريا والأردن تلك البلاد المميزة بالطبيعة الخلابة، ذاكراً أنه جائته عدة عروض للعمل بدول خارج مصر، ولكن رده كان عليهم "ازاي أسيب بلد القصور والفراعنة وأروح لدول تاريخها أقل من مصر"، كما إنه رفض تغيير مكان الإستديو الخاص به، نظراً لأن الناس كانت سميت المكان باسمه فأصبح علامة للمكان كما هو علامة للتصوير. ويحكي ابنه سامح الوريث الشرعي لفن التصوير من أبيه، أنه يرى أن جل ما يميز أباه هو حبه للتجديد، فإنه حتى اللحظة يقوم بتصفح صفحات الإنترنت، ويطلع على ماهو جديد في عالم التصوير، وأنه يعتبر أكاديمية للتصوير في الأقصر، فلا يوجد من تعلم التصوير بعيداً عنه، كما أنه بارع في إكتشاف المصور المميز من السيء بنظرة واحدة، مشيراً إلى إنه تعلم منه الإحترام ونقد الذات للوصول إلى الأفضل دائما، وعدم التفريق بين الألوان أو الأديان، وأن اسم أبيه جعل له مساحة كبيرة من العمل.